الجاحظ

23

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وقال اللّه عز وجل : وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ . قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ . وقال اللّه عز وجل : قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ . قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . ألا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بالعصي والحبال ، لم يجعل اللّه للحبال من الفضيلة في اعطاء البرهان ما جعل للعصا ، وقدرة اللّه على تصريف الحبال في الوجوه ، كقدرته على تصريف العصا . وقال اللّه تبارك وتعالى : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ . فبارك كما ترى على تلك الشجرة ، وبارك في تلك العصا ، وإنما العصا جزء من الشجر . وقال عز وجل : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها . أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها . [ أصل العصا الشجرة المباركة ] وقالت الحكماء : إنما تبنى المدائن على الماء والكلأ والمحتطب . فجمع بقوله : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها النجم والشجر ، والملح واليقطين ، والبقل والعشب . فذكر ما يقوم على ساق وما يتفنن وما يتسطح ، وكل ذلك مرعي ، ثم قال على النسق : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ، فجمع بين الشجر والماء والكلأ والماعون كله ، لأن الملح لا يكون إلا بالماء ، ولا تكون النار إلا من الشجر .